27نوفمبر

التشريع الضروري والتشريع الباطني

في 24 حزيران/يونيو 2017، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16) بموجب مرسوم رئاسي. وقد تمّ إقراره بسريّة وفُرِض مباشرة بدون تشاور مع منظمات المجتمع المدني. قبل إصدار القانون، كان المُدَّعُون العامّون الفلسطينيون في الضفة الغربية يستخدمون قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، وقانون المعاملات الإلكترونية لعام 2013 وتفسيرات قانون العقوبات الأردني لعام 1960 لمقاضاة الجرائم التي كانت تُرتكب عبر شبكات الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

غير أن التشريع الجديد يُجرّم في الغالب المخالفات ضدّ الأصول والهويّات الماديّة دون الافتراضية، ولا تزال ثمّة ثغرات في الأساس القانوني للملاحقة القضائية. وفي هذا المجال يشدّد خبراء قانونيون مثل مصطفى عبد الباقي على أن الإطار القانوني الموجود في فلسطين قبل إصدار قانون الجرائم الإلكترونية يتطلّب تطويراً في تعريف الجرائم الرقمية، وليس كافياً لمكافحة إساءة استخدام الإنترنت والبيانات ونُظُم الكمبيوتر.1 وتشارك الشرطة الفلسطينية هذا الرأي، مُؤكِّدة أن القانون الجديد سيُمكِّن من التجريم الفعّال والملاحقة القضائية وجمع الأدلّة المُتعلِّقة بالجرائم الرقمية.

منذ عام 2015، ازدادت الجرائم الإلكترونية في فلسطين، في قطاع غزّة الذي تسيطر عليه حماس وفي الضفة الغربية على حدٍّ سواء. وتشمل هذه الجرائم سرقة الهوية والتشهير والابتزاز وبخاصّة ابتزاز النساء. وقد شرعت وحدة الجرائم الإلكترونية الفلسطينية في إجراء تحقيقات في الجرائم الرقمية التي ارتُكِبت من قبل مواطنين فلسطينيين أو ضدّهم من دول مثل نيجيريا والمغرب. وكانت الوزارات والمسؤولون الفلسطينيون قد استُهدِفوا هم أنفسهم من قبل حملات التصيّد الإلكتروني الاحتيالي والقرصنة. ووفقاً للشرطة الفلسطينية، يُعزى هذا الارتفاع في الجريمة الرقمية إلى عاملين رئيسيين: الأول هو زيادة الاتصال بالإنترنت واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، والثاني هو عدم وجود قوانين تسمح لموظفي إنفاذ القانون بمقاضاة الجرائم التي تُرتكب من خلال شبكات الكمبيوتر.2
يتضمّن قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني رقم (16) 61 مادّة تُعاقب على سرقة الهوية والاحتيال والتزوير ونشر المواد الإباحية للأطفال فضلاً عن الجرائم الأخرى المُرتكبة عبر الوسائل الرقميّة وشبكات الكمبيوتر.3 ووفقاً للمسؤولين الفلسطينيين والشرطة الفلسطينية؛ فإن التشريع ضروري لإغلاق الثغرات والسماح بمقاضاة الجرائم الإلكترونية. غير أن منظمات المجتمع المدني الفلسطينية أطلقت حملات دعت إلى مقاطعة القانون والمطالبة بإصلاحه، وذلك بسبب الطريقة السريّة التي تمّ بها تمرير القانون، وبسبب استخدامه فوراً وبدون إبطاء بهدف مقاضاة السجناء والنشطاء الفلسطينيين وسجنهم.

البناء على سياسات المراقبة الإسرائيلية
لطالما راقبت السلطات الإسرائيلية عن كثب النشاط الفلسطيني عبر الإنترنت، من خلال سياسات الرقابة الجماعية لتقصّي الدعوات إلى المقاومة أو العنف، فضلاً عن استقصاء المعلومات التي يمكن استخدامها لإرغام الفلسطينيين على التعاون مع قوات الأمن الإسرائيلية. ويُستخدم مصطلح “إسقاط” بشكل شائع بين الفلسطينيين عند الإشارة إلى المُمارسات التي تقوم بها وحدات الاستخبارات الإسرائيلية مستخدمة معلومات أو صوراً يتمّ جمعها بهدف ابتزاز الفلسطينيين من أجل التعاون مع القوات الإسرائيلية. وقد تحدّث جنود سابقون في جيش الدفاع الإسرائيلي عن هذا الأسلوب، وهم يشيرون إلى أن وحدات الاستخبارات تنتهك حقوق الأفراد دون مُبرّر، وفي بعض الأحيان تبتزّ الأفراد لإرغامهم على التعاون.4 وبسبب الموقف السلبي من المجتمع تجاه التوجهات الجنسية لدى البعض؛ فإن الجماعات ذات الميول المثلية جنسياً هي الأكثر عرضة لهذا الابتزاز من أجل الــ “إسقاط”.

وفوق ذلك، يواجه الفلسطينيون خطر اتهامهم بالتحريض على العنف عندما يقوم شخص ما، على سبيل المثال، بتوثيق المواجهات مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ويشارك لقطات منها، أو حين ينشر قصائد تدعو إلى “المقاومة”. وبالنتيجة، فإن ممارسات الرقابة الجماعية على الإنترنت والتجريم القاسي تؤدّي إلى تقييد نقد سياسات الاحتلال وتوثيقها. ومع ذلك، فإن المحاولة الإسرائيلية لكبح العنف لا تزال من جانب واحد، حيث لا يوجد سوى القليل من الجهود للتصدي للتحريض الإسرائيلي.

وتوصّلت دراسة أجرتها مؤسسة “حملة” ومؤسسة “فيغو سوشيال إنتلجنس” ومؤسسة “بيرل كاتزنيلسون” عام 2018 إلى أن الإسرائيليين ينشرون كل 71 ثانية تعليقاً تحريضياً يدعو إلى العنف ضدّ الفلسطينيين.

وهكذا، فمن مشروع قانون الفيسبوك الإسرائيلي المثير للجدل الذي يُسهِّل إغلاق صفحات التواصل الاجتماعي الفلسطينية إلى التشريع الذي يُجرِّم تصوير الجنود الإسرائيليين؛ يُعدّ المجال الرقمي أبعد ما يكون عن كونه مساحة آمنة لحرية التعبير الفلسطينية.5
ومع صدور قانون الجرائم الإلكترونية رقم (16)؛ فإن الشاغل الرئيسي هو الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القانون في تعميق الرقابة الإسرائيلية، إذا أخذنا بالاعتبار التزام السلطة الفلسطينية المثير للجدل بالتنسيق الأمني ​​مع الوحدات الأمنية الإسرائيلية.

شمس

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

© كافة الحقوق محفوظة 2015